أحمد بن محمد القسطلاني

10

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أو لأبي ذر : يعني بشدقيه بزيادة موحدة قبل الشين ( ثم يقول ) : الشجاع له ( أنا مالك ، أنا كنزك ) يخاطبه بذلك ليزداد غصة وتهكمًا عليه ( ثم تلا ) عليه الصلاة والسلام : ( { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } ) [ آل عمران : 180 ] بالغيب في يحسبن أسنده إلى الذين وقدر مفعولاً دل عليه يبخلون أي : لا يحسبن الباخلون بخلهم خيرًا لهم ، وحذف واو ولا وهي ثابتة في القرآن . ولأبي ذر : ولا تحسبن بإثباتها وتحسبن بالخطاب وهي قراءة حمزة والمطوعي عن الأعمش أسنده إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقدر مضافًا أي لا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون هو خيرًا لهم فبخل وخيرًا مفعولاه . وفي رواية الترمذي قرأ مصداقه سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وفيه دلالة على أن المراد بالتطويق حقيقته خلافًا لمن قال إن معناه سيطوّقون الإثم . وفي تلاوة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآية عقب ذلك دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة وعليه أكثر المفسرين . وهذا الحديث جعله أبو العباس الطرقي والذي قبله حديثًا واحدًا . ورواه مالك في موطئه عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح لكن بوقفه على أبي هريرة ، وخالفهم عبد العزيز بن أبي سلمة فرواه عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قال ابن عبد البر : وهو عندي خطأ بيّن في الإسناد لأنه لو كان عند عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي صالح عن أبي هريرة أصلاً . ورواية مالك وعبد الرحمن بن عبد الله هي الصحيحة وهو مرفوع صحيح . وقد أخرج حديث الباب المؤلّف أيضًا في التفسير ، والنسائي في الزكاة . 4 - باب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ » هذا ( باب ) بالتنوين ( ما أدّي زكاته فليس بكنز ) هذا لفظ حديث رواه مالك عن ابن عمر موقوفًا وأبو داود مرفوعًا لكن بمعناه ( لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) في الحديث الآتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى . ( ليس فيما دون خمسة ) بزيادة التاء وللأصيلي وأبي ذر خمس ( أواق ) بغير ياء كقاض وجوار ، ولأبي ذر : أواقي بإثباتها كأثفية وأثافي ويجوز تخفيف الياء وتشديدها ( صدقة ) فليس بكنز لأنه لا صدقة فيه فإذا زاد شيء عليها ولم تؤد زكاته فهو كنز . 1404 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : " خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - . فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : أَخْبِرْنِي قَوْلَ اللَّهِ { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - : مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ " . [ الحديث 1404 - طرفه في : 4661 ] . ( وقال أحمد بن شبيب بن سعيد ) بفتح الشين المعجمة وبموحدتين بينهما تحتية ساكنة . وسعيد بكسر العين الحبطي بالحاء المهملة والموحدة المفتوحتين وبالطاء المهملة نسبة إلى الحبطات من بني تميم البصري من مشايخ المؤلّف وثقه أبو حاتم الرازي وكتب عنه ابن المديني . وقال أبو الفتح الأزدي : منكر الحديث غير مرضي لكن لا عبرة بقول الأزدي لأنه ضعيف فكيف يعتمد في تضعيف الثقات ؟ وتعليقه هذا وصله أبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ عن محمد بن محمد بن يحيى الذهلي عن أحمد بن شبيب ، ووقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني : حدّثنا أحمد بن شبيب بن سعيد قال : ( حدّثنا أبي ) شبيب ( عن يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن خالد بن أسلم ) هو أخو زيد بن أسلم ( قال : خرجنا مع عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنهما فقال ) له ( أعرابي أخبرني قول الله ) ولأبي ذر عن الكشميهني : عن قول الله ( { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } ) [ التوبة : 34 ] ( قال ابن عمر : من كنزها فلم يؤدّ زكاتها ) بإفراد الضمير والسابق اثنان كينفقولها على تأويل الأموال ، أو يرجع الضمير إلى الفضة لأنها أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذهب ، أو اكتفى ببيان حكمها عن حكم الذهب ( فويل له ) أي حزن وهلاك ومشقة وارتفاع ويل على الابتداء ( إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ) قال ابن بطال يريد بما قبل نزول الزكاة قوله تعالى : { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [ البقرة : 219 ] أي ما فضل عن الكفاية فكانت الصدقة فرضًا بما فضل عن كفايته ( فلما أنزلت ) أي الزكاة بعد الهجرة في السنة الثانية قبل فرض رمضان كما أشار إليه النووي في باب : السير من الروضة . وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة وفيه نظر يطول استقصاؤه . نعم ، بعث العمال لأجل أخذ الصدقات كان في التاسعة وهو يستدعي سبق فرضية الزكاة ( جعلها الله طهرًا ) أي مطهرة ( للأموال ) وطهرًا لمخرجيها عن رذائل الأخلاق ونسخ حكم الكنز ، لكن قال البرماوي : وإذا حمل لا ينفقونها على لا يؤدّون زكاتها